اللوعة الأولى

بدأ رحيلُ الأحبّة.

ناهية كانتِ اللّوعةَ الأولى. أخذَها الحنين. غلبَها شوقُ الغناءِ مع الملائكة.

فتحتِ البابَ ومضَت…

حزينٌ على الفِراق، ولو إنه فراقُ عيون.

فَرِحٌ من أجلِها.

فرحي جعلني أذوقُ بعضاً من هنائِها. وأهنأُ ببعضٍ من موت.

آلامُها طالت. أدمَت منّا القلبَ وفطرتِ الفؤاد.

رجوناها أن تبقى… أبَتْ…

كانت في عَطَشٍ. شاءت أن ترتوي. منَ الماءِ الذي لا خيبةَ فيه. منَ الينبوعِ الذي لا ينضب.

آلمتنا آلامُها. لمْ تكُنْ شهورَ تكفير عن ذنوب. كانت مُخادعةً للموتِ طالتْ. إلى أن خدعتهُ. شغلتْهُ بجسدٍ تَعِبٍ وتسلّلتْ بالرّوحِ إلى حيثُ لا تصلُ عينٌ ولا يبلغُ خيال.

بَكّرَت ناهية…

وإلى أن يأتيَني النداءُ، لن أتعبَ في الحديثِ معها…

وعنها…

المباركة

وحيثُ يكونُ أبو مسعود تكونُ المُبارَكةُ.

هي دوما في الجّوار.

أراها خلفَ الخِربة. تحتَ التّوتة. عينٌ على دجاجاتِها، وعينٌ على رفيق دربها. تخشى من دجاجاتها على مسكَبةِ البقدونس، وقد انتهت لتوّها من زرعها؛ وتخشى على أبي مسعود من حاجة يطلبُها فلا يجدُها. لعلّ شربةَ ماء تعنّ على نفسِهِ، زُلالاً، صافيةً، مبرّدةً في دويك الفخّار. هي تعرفُ أنهُ لا يستطيبُها إلا من يدِها، يدِ المُبارَكةِ التي منّ اللهُ عليه بها، فما بات ليلةً إلّا شاكراً راضياً، لا يرجو سوى إطالة عمرها، والسفر من تلة القراين قبلَها، إن دقّتِ الساعةُ، وحانَ وقتُ الرحيل.

لا زلتُ أرى أمَّ مسعود هناك، تروحُ وتجيءُ،خلفَ الخِربة، وأمامها. لقد اختمرَ عجينُها، فقرّصتهُ،  وأقبلت إلى الصّاج تمسحُه، وإلى النّار توقدُها. هي ستشرعُ بعدَ قليل في مدّ فطاير الزّعتر والكشك، دون أن تنسى طلميّة القورما، وهي أفضلُ ما اشتهتهُ نفسُ أبي مسعود بعد يومِ الفلاحةِ المُضني….

في يحشوش

أنا في يحشوش. تلال القراين. المكانُ هذا أحببته في إطلالَتي الأولى. أتُراها كانت فعلاً إطلالَتي الأولى؟

 أنا على التلّة العليا. إلى يميني الخِربةُ. والخِربةُ من الخراب. أعترضُ على التّسمية.

لا أراها خرابا.

 بعضٌ من حجارتها تهاوَت. بعضُها لا زالت شامخةً حيّةً، وكأنما فقط لتحكي ألفَ حكايةٍ وحكايةٍ عن جبابرة عاشوا هنا.

مِغلاقُ بابها ترك على الصّخر ألفَ سرٍ وسر من حكايات أولئك الطّيّبين الخيّرين.

عتبةُ الدار إنْ حكتْ، سردَت أقاصيصَ عنْ رجالٍ تعملقوا. أثبتوا أن العزمَ ليس كلمةً في القاموس، وأن ذرّةَ الإيمانِ كفيلةٌ بنقل الجّبل من مكانٍ الى مكان.

قناطرُ شبابيكِها – على تواضعِها – تقولُ إنّ العبقريةَ ليسَتْ حَكْراً على حَمَلَةِ القَلمِ أو الريشَة أو القَيثَارةِ.

الخِربةُ ليسَت خَراباً.

هاكَ أهلُوها. أولئك الطّيّبون الأوّلون. أصحابُ صحوة ونخوة. ذوو ذمّة وهمّة. إذا قالوا فعلوا وإذا وعدوا وفَوا.

أراهم ولا أشكّ في ما أرى. هذا أبو مسعود بقامتِه المقدودةِ من صخور القراين. أسمعُ صوتَه الهادرَ تحت القبو وهو ينهَرُ ثورَه الأشقرَ، فينتظمُ تحتَ النيرِ، وتغرزُ السّكّةُ في الأرضِ على أحلى ما اشتهاهُ أبو مسعود من حال.

نسيماتي

نُسَيماتي نورانيّةٌ. هنئتُ بعُطرِها في مسالكِ حنيني إلى الفرحِ، كما فزعتُ إلى دفئِها في عواصفِ سِنيَّ الباردة.

نُسَيماتي غلّت إلى روحي، وعشّشت في كياني، فإذا انعتاقي من وطأةِ صليبي…

رجائي أنْ تكونَ نُسَيماتي طاقةً لكلِّ باحثٍ عن الغَلَبةِ على ترابِ هذا الوجود، ومَؤونةً لكلّ توّاقٍ لنصرٍ على ما يعادي البشريّةَ في ذاتِه.

رجائي أنْ تغزوَ نُسَيماتي كلَّ نفسٍ وثّابةٍ الى مِعراج النّعمةِ، فتشعلَ فيها ربيعاً عابقاً بأزاهيرِ الحقّ والخيرِ والجمالْ…