صدحَ البلبلُ يومَ أمس. رأيتُه على شجرة البلّوط. أيقنتُ أنّه حمل الربيعَ على جناحيه إلينا..
هل يُلغي ظهورُ البلبلِ ما فُرضَ علينا من رعدِ الطائرات، ورعدِ الطبيعة، ورعدِ الرعد على الشاشة الصغيرة؟ ألم تسمعْ ليلةَ أمس ما سمعتُ؟
ذهبَت الأيّامُ التي كان فيها الناسُ يخرجون الى دروب الحقول سعياً وراءَ فصيلةِ القرص عنّي، وفوجِ خبّيزة مريم، وفرقةِ الهندباء، وألويةِ شقائق النعمان.
اليومَ اقترفتْ هذه الكلماتُ الفحشاء. فارقتْنا، تبكي علينا ونبكي عليها. وكان ثمّ كان، والخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفنا. وسرعانَ منّا السيفُ والرمحُ. وشتّانَ منّا القرطاسُ والقلمُ… وهيهاتِ منّا الذلّةُ…وكان يا ما كان…!
الحياةُ قضيّةٌ سيادتَك. هي قضيّةٌ جديّةٌ جداً جداً. هي أكثرُ من عزّة. ومن عنفوان. ومن كرامة. ومن حميّة. ومن رجولة. ومن وجاهة.
الحياةُ ليست مزحةً سيادتَك. ألم تسمعْ سيادتَك بشرفِ الحياة؟ بسموّها، بنقاوتِها. وأكثر من ذلك بقدسيّتِها.
في يحشوش، صدح البلبلِ أمام نافذتي على شجرةِ البلّوط، وغرّدَ العندليبُ في بابي. نسمةُ الحياةِ لعبتْ في نفسي.
المغرّدون الجُددُ صارَ طربُهم نكداً وقلقاً وضيقاّ وشؤماّ وغمّاً وبؤساً ونحسأ. وحرباً من أجلِ العزّةِ. ومن أجل الخفّةِ. وهيهات منّا الذلّةِ…
وهل يمكنُ أن يغرّدَ الموت؟
وإن هو غرّدَ فلنفسِه يغرّدُ.
دعْني سيادتَك من همّ رعدِ الرعدِ وغمِّه. دعْني لبُلبُلي . أنا أغرّدُ للربيع.