الأب ميشال الحايك علمانيّ أم إنسانويّ مجدّد؟

لأهميّة الدور الذي لعبه الأب ميشال الحايك في النهضة اللبنانيّة الفكريّة لما قبل الحرب اللبنانيّة وجدت من المفيد إيراد هذه السطورالتحليليّة علّها تقع عند قارئي موقع الإستفادة والإفادة..
أنطوان فليفل *
العلمانيّة نزعة في الفكر العربي الديني المسيحي في لبنان، ولو أنّها عند بعض اللاهوتيين قضيّة محورية. فكر الأب ميشال الحايك (1928ــــ2005) يميل ميلاً خفراً إلى وجه من وجوه العلمانيّة من خلال لاهوته الإنسانوي التعدّدي الذي يناهض الطائفية ويشجبها. صداقة هذا العلّامة الحميمة بكمال جنبلاط ودفاعه عن القضيّة الفلسطينية، إضافة إلى مشاريعه الكنسيّة النهضويّة، آلت في السبعينيات إلى اعتبار فكره يساريّاً رغم عدم التزامه بأي من التيارات أو الأحزاب السياسيّة.
يتمحور قسم كبير من كتابات ميشال الحايك حول مسائل جوهريّة تتناول الأديان الإبراهيميّة الثلاثة. فسياق التعايش الإسلامي المسيحي في لبنان حثّ المفكّر الماروني على النظر إلى الإسلام نظرة متجدّدة تختلف عن المفاهيم الموروثة التي تطرد الديانة العربية من تاريخ الخلاص وتدرجها في منازل الضلال.
فالإسلام بنظر حايك هو من ذريّة إسماعيل، وهو بذلك وارث شرعي للإيمان الإبراهيمي وأمين أشدّ الأمانة للتوحيد الإلهي. ولكن الإسلام ما زال بالنسبة لحايك كإسماعيل في صحراء نفي، ما عبرها بعد إلى أرض الميعاد المسيحانية.
وعليه، فإنّ هذه القراءة للإسلام تبرّر لاهوتيّاً إدراجه في سر التدبير الإلهي، وتلقي جانباً كل خطاب إقصائي، لا بل تستثير حوار الإخوة. أمّا مسألة الصراع العربي الإسرائيلي، وفي جوهرها القضيّة الفلسطينيّة، فهي بالنسبة لحايك صراع يدوم منذ تباعُدِ ابنَيْ إبراهيم. جوهر حل القضية الفلسطينيّة هو في مصالحة اسحق وإسماعيل، وفي الدور الذي على الفرع الإبراهيمي المسيحي أن يلعبه في سبيل هذه المصالحة.

مثال تعايش أبناء إبراهيم في لبنان هو حلّ ممكن للقضيّة الفلسطينيّة ولتصالح أبناء إبراهيم على أرض فلسطين: «بصفتي لبنانيًّا أتبرّم بكلّ وطن متقوقع في الفرديّات، ولا أقدر أن أتصوّر من بعد وطنًا يُعاش فيه من دون أن يكون شموليًّا تترابط فيه الأعراق والأديان والحضارات بميثاق إنسانيّ وممارسة حريّة تسقط دونها دساتير التيوقراطيّات والقوميّات والعنصريّات، مهما كان نوعها ولونها» (لبنان وفلسطين، «النهار»، 6 أيّار 1975). ربع قرن بعد كتابة هذه السطور، كتب حايك مجدّداً عن أهميّة التعدّدية الإنسانيّة، وأدرجها في إطار الشهادة: «نحن هنا لنبقى شهادةً للشرق، شهادةً على التعدّد الإنسانيّ، ودعوةً مستمرّةً إلى الحرّيّة، واختبارًا للّقاء الروحيّ، وإرادةً للتجدّد والإبداع. لا امتياز لنا إلا بما نتميّز به من مبرّرات في تجميل الأرض والفكر والروح» (كالمسيح كنّا رهائن للأمم حتّى الأقربين، «النهار»، 22 نيسان 2000).
الحكم باسم الله يولّد غالباً منطقاً يتعارض مع التعدّدية الإنسانيّة الحرّة. يؤيّد تفكّري هذا مقطع فريد كتبه المفكّر الماورني سنة 1970، تكلّم به عن نظرته إلى لبنان كوطن تحييه روح الإيمان بمعزل عن الدين: «أمّا نحن في لبنان، وقد عظمت علينا المسؤوليّات، فقد حتّم علينا التكفير عمّا يظهر في العالم وفي شرقنا من عصبيّة وإلحاد. وتكفيرنا يحتّم علينا أن ننقل الجهاد إلى ساحة الحقّ، إلى الظفر بالإنسان وبالله، أي أن ننشئ في هذه الديار وطنًا للتسامح الإنسانيّ والإيمان الإلهيّ، وطنًا لادينيًّا بل إيمانيًّا تترسّخ أساساتُه لا على التعصّب الطائفيّ، الذي هو أخسّ مظاهر التديّن، بل على الثقة بأنّ الحقّ هو الظفر، لأنّ الحقّ يكفيه أن يكون ليظفر، حتّى ولو انقلبت المفاهيم إلى حين» (رسالة إلى بني جيلنا، 1970، ص 79ــــ80).

ميشال الحايك هو في هذا الموضع كغيره من اللاهوتيين العرب التقدميّين، لا يتناول إشكاليّة علاقة الديني بالزمني إلا من خلال إيلاء مسألة الروح مكانة مميّزة ومحوريّة في الحياة الوطنيّة. وهو لا يني يميّز بين مسألة الإيمان من جهة، وأنواع التديّن التي تستثير ضروباً شتّى من العصبيّات الدينّية والطائفية من جهة أخرى.
ما كتبه حايك في 1970 عن التعصّب الطائفيّ تحقّق مع الحرب اللبنانيّة حين تقاتل أبناء الوطن الواحد وتنافروا على أسس أغلبها طائفي، ممّا دفع اللاهوتي إلى اعتبار الطائفيّة أول العيوب اللبنانيّة الثلاثة: «طائفيّة ولاعقلانيّة وفوضويّة: هذه هي عيوبنا الثلاثة» («النهار»، 4 أيلول 1975).
مشكلة الطائفيّة الأساسيّة هي في السوء الذي تجلبه على الإنسان. إن كانت إشكاليّة وجود الكيان اللبناني تُبرّر بالنسبة للكثيرين انطلاقاً من أهميّة هذه الأرض لعيش الطوائف ولإيلائها حقوقها، فبلاد الأرز هي بالنسبة لحايك أرض الحرية التي يجب أن يولد عليها الإنسان الجديد بمعزل عن كل ما يغرّبه عن ذاته. وهنا تظهر إنسانويّة فكر الكاهن الماروني: «الإنسان قبل الأوطان. إذا سلم سلمت، وإذا خارت روحه انهارت أرضه. من تحرير الروح تبدأ عملية تحرير الأرض. فعلينا اليوم، كما على الجميع، وكلنا نازحون مشرّدون عن لبنان الروحي، أن نتجنّس روحيًّا فيه لنستحق استيطانه من جديد» (محاضرة في سيّدة إيليج).
ولنقلها مرّة أخرى، التمييز بين عالم الروح والإيمان من جهة، وعالم الدين من جهة أخرى، محوري في فكر حايك الذي يميّز في نصّ آخر بينهما ويربطهما بشكل من التفريق بين الديني والزمني: «كلّ دين يخشى حرّيّة الفرد باطلٌ كذبت فيه الرسلُ وخُدِع به الناس. وعلى كلّ حال، فالناس اليوم، في كلّ أرض، تفلّتوا من الأغلال، فهُم يطلبون الحقّ لا عن طريق التراث وتقاليد الجدود، بل عن طريق الاقتناع الشخصيّ المسؤول. فإذا هم بعدما فرّقوا بين الدين والدولة فأبوا أن يربطوا غاية الدين بمآرب الدنيا، إذا بهم يفرّقون بين الدين والإيمان…» (رسالة إلى بني جيلنا، 1970، ص 75). )
* دكتور في الفلسفة