محبّة القريب لقريبه، وكما سلف ذكرُها، ليست سوى انعكاسٍ لصورتِها الحقيقية التي لا حياة للمسيحيّ إن تخلّى عنها او تخلّت عنه. إنّها محبّة الآب الإله لنا نحن أبناءَه.
محبّة الله الآب لنا من أبرز تجليّاتها انسكاب ذبيحة ابنه في كأس القربان. الذبيحةُ ذاتُها التي رفعها إليه على الصليب. انسكابُه وتحوّلُه إلى جسد ودم، نتناولُه فنشارك في هذه الذبيحة ذاتِها، ونقتبل محبة الآب النازلةَ علينا، مُدركين فعلتَنا هذه أو غير مُدركين.
ما وجب علينا إدراكُه، أنّ في تقدمة الابن على الصليب وانسكاب دمه، انتشارٌ للحياة الجديدة من الجلجلة إلى الكون كلّه. الدمُ أصدر لنا هويّتنا الجديدة. وهَبَنا دماً جديداً. نزع عنّا نسَبَنا إلى آدمَ أبي البشريّةِ الأوّل، ونسَبَنا الى آدمَ الثاني أبي البشريّة الجديد.
الدمُ ألبسنا الثوبَ الأبيض الذي استحقيناه بعد ولادتنا الجديدة.
هنا صار متاحا، لكلّ من رغب، أن يقبلَ حبّ الله الآب له؛ فيُمحى من كيانه انتماؤه لآدمَ الأوّل، وتُزرعَ فيه حياةٌ جديدة، ويستظلَّ دمَ المسيح، ويصيرَ ابنا للآب بالتبنّي.
إنّ تناولَ الجسد وشربَ الدم فعلٌ حتميٌّ لإنبات الأصل الجديد، وتغذيته بالدم الجديد، والإنتماء إلى النسل الجديد. هو نسل يسوع المسيح آدم الثاني والأخير.
تحوُّل الخبز إلى جسد الرب ما هو إذاً إلّا نزولا للمحبة الإلهيّة. وما تناوُلُنا لهذا القربان إلّا قَبولا لها.
ولا يبقى لنا إلّا أن نردّد مع بولس الرسول، هل من حبّ أعظم من هذا، أن يبذلَ أحدٌ حياتَه من أجل أحبّائه؟