أخشى أن نكون نحن المسيحيين قد ضللنا بمعظمِنا، إذ حوّرنا المعنى الحقيقيّ لكلمة “الكنيسة” وحجّمناه بجعله مشيراً إلى المبنى الذي نجتمع فيه، نحن جماعة المؤمنين. افتراضا.
وضللنا أيضا إذ رادفنا كلمتي الكنيسة والطائفة. نقول مثلا: الكنيسة المارونيّة أو الارثوكسيّة أو الكاثوليكيّة أو سواها، غافلين عن أنّ ما نقصدُه هي الطائفة وليست الكنيسة. والطائفة ليست إلّا تراكم أفراد اجتمعوا بالولادة أو الإنتماء المصلحيّ، ليكوّنوا مجتمعا يسعى لمصالحه ورفاهيّته ،غير آبهٍ بنموّ إنسانِه الداخليّ الذي خُلق ليخلدَ.
الكنيسة المارونيّة أو سواها من الكنائس، هي جزءٌ ضئيلٌ من الطائفة المارونيّة استحقّ هذا المُسمّى، إذ تحوّل أفرادُها من أعضاء في طائفة إلى أعضاء في جسد المسيح الذي هو رأس هذا الجسد النازل منه، فكوّنوا كنيسةً سواء تعرّفوا إلى بعضِهم أو لم يتعرّفوا..
وإن هم انتقلوا من مرتبة إلى أخرى، فلا يكون هذا إلّا بقفزةٍ مباركةٍ تحملُهُم من ممارسة طقوسِ العبادةِ المعتادة إلى السّير نحو مجد الله، والتخلي كلياّ عن مجدهم الذاتيّ. فلا يعودُ يذكُرُالواحدُ منهُم كلمةَ ” أنا “.
هذا لا يكونُ إلّا بحركةٍ قلبيّةٍ نورانيّةٍ تدفعُ بالخاطئ المُريد من حالة التديّنِ إلى حالة التوبةِ الخالصة، ومنها إلى المحبّة الشاملة والمُنزّهة عن كلّ ” أنا “.
الحركةُ القلبيّةُ هذه هي ذاتُها القفزةُ المباركةُ التي دعا المسيح محاورَه نيقوديموس إليها، عندما قال له: “الحقَّ الحقَّ أقولُ لكَ إنّك لن تدخلَ ملكوتَ السماواتِ ما لم تولَدْ من جديد”.
وَدِدتُ أن أزورَ يوماً بونا خليل راعي ضيعتي، وهو الآنَ على ما بلغني، مونسينيور خليل، أي ما ترجمَتُهُ سيّدي خليل. قلتُ: أزورُه لعلّه يعرّفني إلى أعضاء جسدِ المسيح الذين أولدَهُم هو بالنعمةِ، يومَ كان يكهنُ للربّ في ضيعته، قبلَ أن يُتوّجَ عليها سيّداً.
يعرّفني إليهم فيُقصّرَ أمامي المسافةَ َفي بحثي عن جماعةٍ من التائبين المُنعَم عليهم، علّنا نكوّنَ، وهو معنا، كنيسةً جديدةً تسعى لمجدِ الله، ويقوى بها جسدُ المسيحِ سيّدِها الذي له وحدَه هذا اللقب.