[arabic-font]
أناديك ربّي من عمق الوادي الذي أقيم فيه. ومن واديّ العميق أناجيك..
أعترفُ ربّي خاشعا أمام بهاء مجدك أنّ الثقافة ورّطتني. كما ورّطت الكثيرين سواي من أجيال الخدعة.
أدركتُ الآن ربّي: الثقافة غالبا ما تورّط. تأخذ إلى الأوهام. ومنها إلى الخسارة الإراديّة. وبالإختيار.
أناجيك ربّي. وأقول إنّي أؤمن بحقيقتك أنت.
وبأنّ لا حقيقة سواها.
وأنّ حقائق العقل البشريّ التي نتجت عن تعظّم الإنسان وكبريائه إنّما هي أوهام تزاوجت مع أوهام وولدت أوهاما..!
أؤمنُ يا ربّي أنّك خلقت. خلقت العالم. وكلّ ما فيه.
وبأنّك خلقت أبانا آدم، ثم باركته وسلّطته على كلّ ما خلقت. أؤمن ولو أنّ عقلي يأبى التسليم بهذه الحقيقة.
ما كان أبهى هذا اليوم السابع يا ربّي.. إذ وقفت متجسدا – للمرّة الأولى – تنظر إلى بهاء ما صنع فكرك … وبهاء ما صنعت يداك..!
وبالتحديد إلى بهاء آدم يا ربّي..! أبهى بهاء صنيعك الذي لا يساويه فيه بهاء..!
وما أكثر المرّات التي عدت فظهرت بالجسد فيها.. ربّي..!
أؤمنُ يا ربّي أنّك خلقت حوّاء من ضلع آدم، لأنّك عارف أنّه ليس جيدا أن يكون الإنسان وحده. أؤمن ولو أنّ عقلي يأبى التسليم بهذه الحقيقة، ويعتبرها رمزا محاكيا لرموز المسيح التي تكلّم بها وعلّم…
أؤمنُ ربّي، أنّ في فكرك كان أن يُثمرا ويملَأا الأرض نسلا صالحا، وألّا يكون للموت سلطان عليهما وعلى نسلهما.
وأنّ آدم كان سيعرف زوجته بقدسيّة. وطهارة مباركة. ورغبة بخلق نسل صالح.. فقط فقط.. لا رغبة ساقطة بإشباع شهوات ملكت عليه فكره ونفسه وحواسّه.
وأنّ حوّاء ما كان لها أن تلدَ أبناءها وبناتها للموت.. بل للحياة. وكانت لتلدَهم دون ألم. بالضبط كما ولدت مريم ابنها.
وأنّ آدم عصى فسقط وحوّاء، وما كان لهما ألّا يسقطا.
وأنّ السقوط كان من النور. من النور الى الظلمة.
وأنّ الإنسان سقط بفعل خداع ” لوسيفر ” الساقط هو أيضا.
وأنّ السقطة كانت عظيمة عظيمة..!
أؤمنُ يا ربّي أنّ تمرّد الأبوين الأوّلين وسقوطهما كان رهيبا رهيبا.. ومدويّا مدوّيا.
وأنّ رهبة عصيان حوّاء وسقطة آدم ما عوّضهما إلّا طاعة مريم وارتفاع ابنها المخلّص.
أؤمنُ أنّ تبعات السقوط جاءت على مستويات ثلاث: أوّلها سقوط عقليّ فكريّ، وثانيها سقوط نفسيّ جسديّ، وثالثها سقوط روحيّ.
وأنّ توريث تبعات السقطة حقيقة لا لبس فيها. وعلى مستوياتها الثلاث.
وأنّ قدرات الإنسان التي نَعِم بها قبل السقطة كانت هائلة كمّا ونوعا.
وأنّ القدرات والمواهب التي بقيت له بعد السقطة قليلة. وهي التي ورّثها.
وأنّ مَن يقول أنّ أبناءَ آدم ورثوا عن أبويهم الخطيئة هو على خطأ.
أؤمن أنّهم ما ورثوا الخطيئة الأصليّة.. بل آثار الخطيئة وتبعاتها. وعلى مستوياتها الثلاث الفكريّة والجسديّة والرّوحيّة. وبكلّ ما فيها من موبقات ومخلّفات نتنة…
أؤمن ربّي أنّ كبرياء الإنسان هي علّة السقطة الأولى وكلّ سقطة تلتها..!
كبرياء حوّاء ورجُلِها أسقطتهما.
وكبريائي أنا أسقطتني أنا..!
وكبريائي أنا ورثتها عنهما..!
وكبريائي أنا أورّثُها أنا.. أو لا أورّثُها.. إن شئت ونويت وجاهدت وسعيت ..!
وأنّ حوّاء الأولى خرجت من جنّتك، وظلّت على كبريائها وتعظّمها، ظنّا منها أنّها أعتقت رجُلَها من نير العبوديّة لسيّد متأمّر. ووهبته حرّية الحركة التي كان منها محروما في عدن.
وأنّ كبرياء حوّاء وتعظّمها استمرّ ساكنا نفسَها متملّكا جوارحَها، إلى أن تبلّغت مصرع حبيبها الوادع الهادئ قابيل، على يد أخيه الصاخب المفتون بعضل ساعديه قايين ..!
وأنّ الصرخة الأولى كانت صادقة عند رؤية منظر الدم المسفوك: ” قابيل.. قُمْ يا ضناي .. سامحني يا إلهي..”.
“سامحني يا إلهي..”
أدركَتْ حوّاء وزر ما فعلت.. ولكن الصرخة جاءت متأخّرة..
فات الأوان لأنّهما كانا قد تلوّثا..
ولأنّ الموت – جسدا وروحا – كان قد ساد، ثمنا للخطيئة.
ولأنّ العودة إلى النعيم كان مستحيلا حدوثه دون تطهير. والتطهير بالدم.
ولأنّ مسيرة التطهير كان لا بدّ منها. وكان لا بدّ أن يكون درب العودة طويلا ووعرا.
أعترفُ ربّي خاشعا أمام مجدك أنّ الثقافة ورّطتني. كما ورّطت الكثيرين سواي من أجيال الكذبة الكبرى.
الثقافة التي ورّطتني ربّي ورّطت كنيستك أيضا. وورّطت القيّمين عليها.
أدركتُ الآن ربّي.. الثقافة غالبا ما تورّط. تأخذ إلى الأوهام. ومنها إلى الخسارة الإراديّة. وبالإختيار.
أعي جيدا يا ربّي ما أراده إيمانويل كانط من تقديمه للعقل ووظائفه على كل ما هو غير مرئي.
وما بلغه فريدريخ نيتشه وتوابعه من حماقات أسّست لعصر جديد من التعامل الإنسانيّ على قواعد القوّة والعظمة والتميّز. والحفرة التي وقع فيها تشارلز داروين وجرّ وراءه جمهرة العقليّين إليها، فأنتجوا في ما أنتجوا أدولف هتلر ومن شابهوه..!
أتفهّمُ موقف فولتير وجان جاك روسّو ورفضهما القاطع لروايات الكتاب المقدس. ولرؤية روسّو لله من خلال الطبيعة التي خلقها وانكفأ يراقب ما يجري فيها. أتفهّم الموقف على خلفيّة الطفولة الصعبة التي عاشها الرجل، والتأثير العميق الذي تركته المظلوميّة في نفسه.
أُدركُ يا ربّي مقدار الظلم الذي عاناه كارل ماركس، فوقع في بليّته، وأوقع البشريّة معه فيها. أقرأ ما كتبه في العام 1852 إلى صديقه كلاوس وأتفهّم مقدار إحساسه بالظلم. يقول: ” لستُ أفضل حالًا من سجين في بيته. ذلك لأنني لا أمتلك البنطلون الذي يستر ساقيَّ، ولا الحذاء الذي يكسو قدميَّ. وأسرتي على شفا الإفلاس والفاقة” .
أتفهّمُ والحالة هذه أن يرتمي الشابّ كارل في أحضان المفكّر الملحد فويرباخ. فيصطاد منه فكرة أن يكون الإنسان هو من ابتدع الله وخلقه. ووضع جميع الأنظمة الدينيّة والإجتماعيّة. وبالتالي فبمقدوره أن يبدّلها ساعة يشاء.
أدركُ أنّ أدولف هتلر ومخلّفاته المفزعة إنّما هو نتيجة طبيعية تطبيقيّة لكل سابقيه الذين برمجوا نظريات التطوّر والإرتقاء وجعلوا العقل البشريّ يضجّ بها.
أعي أنّ جان بول سارتر يستحقّ حكما مخفّفا عرفانا بجراح الحرب العالميّة الثانية التي عاشها، فدفعت به دفعا إلى السؤال الأعظم: أين هو الله؟
أتفهّم يا ربّي كلّ هذا. وأؤمن يا ربّي بكلّ هذا. وبكثير كثير سواه…!
[/arabic-font]