يسوع وإلى جانبه يهوذا يُناوله الخبز المغمَّس في الصلصة الموجودة في طبق اللحم المشويّ. أثناء تناولهم الزيتون الأسود الصغير، يَسمَعون طرقاً على الباب. بعد قليل تَدخل ربّة البيت وتقول: «يا معلّم، يريدونكَ أنتَ.»
«
مَن يكونون؟
»
«غرباء.»
«ولكن مستحيل!» «المعلّم تَعِب!» «لقد قضى النهار كلّه في المسير والتحدّث!» «ومن ثمّ وثنيّون في البيت! كفى!» الاثنا عشر في هياج كسرب مِن النحل بعد إزعاجه.
«صه! هدوءاً! الاستماع إلى الذين يبحثون عنّي ليس تَعَباً بالنسبة إليّ. في ذلك راحتي.»
«قد يكون فخّاً في هذه الساعة!…»
«لا. ليس فخّاً. كونوا في سكون وارتاحوا. أنا قد استرحت أثناء انتظاركم. أنا ماضٍ إليهم. لا أطلب منكم المجيء معي… رغم أنّ… رغم أنّني أقولها لكم: بالضبط وسط الوثنيّين عليكم حمل يهوديّتكم التي ستصبح أكثر مِن مسيحيّة. انتظروني هنا.»
«هل ستذهب إليهم وحدكَ؟ آه! أبداً لن يكون هذا!» يقول بطرس الذي ينهض.
«ابقَ مكانكَ. أذهب وحدي.»
يَخرُج. يَحضُر إلى الباب المؤدّي إلى الشارع. في الشفق، مجموعة مِن الرجال ينتظرون.
«ليكن السلام معكم. هل تريدون رؤيتي؟»
«سلاماً، يا معلّم!» الذي يتكلّم عجوز مهيب يتدثّر رداء رومانيّاً يتجاوز معطفاً قصيراً مدوّراً مع قبّعة مرفوعة على الرأس. «لقد تحدّثنا اليوم إلى تلاميذك، ولكنّهم لم يتمكّنوا من إعطائنا إجابات كثيرة. فنودّ التحدّث إليكَ.»
«أأنتم الذين تبرّعتم بصدقة غنيّة؟ شكراً بالنيابة عن فقراء الله.» ويتوجّه يسوع إلى ربّة البيت بالقول: «يا امرأة، أنا خارج معهم. قولي لأصدقائي أن يأتوا للقائي قرب النهر، ذلك أنّي أرى جيّداً أنّهم تجّار المخازن…»…
ويَخرُج الجميع معاً إلى الطريق المضاءة بنور جميل مِن القمر.
«أأنتم آتون مِن بعيد؟» يسوع في وسط الجمع، وإلى جانبه العجوز الذي تكلّم أوّلاً، عجوز جميل ذو مظهر لاتينيّ صاف. وفي الجانب الآخر عجوز آخر معمّر إلى حدّ ما، بوجه عبرانيّ صرف، ثم حولهم اثنان أو ثلاثة نحيلو القامة زيتونيّو الصبغة، ذوو عيون متيقّظة وساخرة قليلاً، وآخرون أكثر صلابة بأعمار متفاوتة. حوالي العشرة أشخاص.
«نحن مِن مستعمرات رومانيّة في اليونان وآسيا. قسم منّا يهود والقسم الآخر وثنيّون… وبسبب ذلك لم نكن نجرؤ على المجيء… ولكن تأكَّدَ لنا أنّكَ لا تحتقر الوثنيّين… كما يفعل الآخرون… أقصد اليهود الموَسْوَسين، الإسرائيليّين، فهناك يهود في أماكن أخرى كذلك… أقلّ صرامة. فأنا زوجتي يهوديّة مِن ليقونيا، بينما هو زوجته رومانيّة وهو يهوديّ مِن أفسس.»
«أنا لا أحتقر أحداً، إنّما يجب التسامح مع الذين لا يعلمون بعد أن يفكّروا بأنّ: كون الخالق واحداً، فكلّ الناس مِن الدم ذاته.»
«نحن نعلم أنّك عظيم بين الفلاسفة. وما تقوله يؤكّد أنّكَ عظيم وصالح.»
«الصالح هو مَن يفعل الخير، وليس مَن يجيد الكلام.»
«تجيد الكلام وتجيد التصرّف. فأنتَ إذن صالح.»
«ما الذي تودّون معرفته عنّي؟»
«اليوم، يا معلّم، اعذرنا إذا ما كنّا نُتعِبكَ بفضولنا. إنّما هناك فضول جيّد لأنّه يبحث عن الحقيقة… كنّا نرغب اليوم أن نعرف مِن أصحابكَ الحقيقة عن مذهب وَضَعَ صيغته الأوّلية فلاسفة مِن اليونان القديمة، وأنتَ، كما قيل لنا، عُدتَ تُعلّمه بصيغة أرحب وأحلى. لقد تحدَّثَت زوجتي أونيك مع يهود سمعوكَ، وقد ردَّدَت لي ذاك الكلام. وكما تعلم، فإنّ أونيك اليونانيّة مثقّفة، وهي تعرف كلام حكماء وطنها. لقد وَجَدَت تقابلات بين كلامكَ وكلام فيلسوف يونانيّ عظيم، بل حتّى إنّ كلامكَ الذي قلتَه وَصَلَ إلى أفسس. كذلك بوصول البعض إلى هذا المرفأ للتجارة وآخرين للطقوس، فقد عدنا لنلتقي كأصدقاء ونتحدّث. الأعمال لا تمنع مِن التفكير كذلك بأمور أسمى. وبعد ملء المخازن وتحميل المراكب، لدينا الوقت لحلّ هذا الشكّ. أنتَ تقول إنّ النَّفْس خالدة. سقراط قال إنّها لا تموت. فهل معرفتك بهذا الكلام مِن المعلّم اليونانيّ؟»
«لا. لم أدرس في مدارس روما وأثينا، إنّما تكلّم. أفهمكَ مع ذلك. لست أجهل فِكر الفيلسوف اليونانيّ.»
«سقراط، على خلاف ما نؤمن به، نحن الذين مِن روما، وكذلك على خلاف ما يؤمن به صدّوقيّوكم، يَقبَل ويَدعَم فكرة أنّ للإنسان نفساً وهي لا تموت. وهو يقول، بما أنّ النَّفْس هي هكذا، فما الموت بالنسبة إليها سوى تحرّر وعبور مِن سجن إلى مكان حرّية، حيث تلتقي بالذين أحبّتهم، وهناك تتعرّف على الحكماء، من خلال الفكر الذي سَمِعَته عنهم، والعظماء والأبطال والشعراء، ولا تجد هناك ظلماً ولا ألماً، بل سعادة أبديّة في مقام سلام، منفتحة على نفوس غير قابلة الموت عاشت باستقامة. وأنتَ، يا معلّم ماذا تقول؟»
«الحقّ أقول لك إنّ المعلّم اليونانيّ، رغم كونه في ضلال ديانة ليست حقيقيّة، كان محقّاً في قوله إنّ النَّفْس لا تموت. وبسعيه وراء الحقيقة وممارسته الفضيلة، كان يشعر في قرارة روحه بصوت الإله المجهول يهمس، صوت الإله الحقّ، الإله الواحد: الله تعالى، مِن حيث أنا آت لأقود الناس إلى الحقّ. للإنسان نَفْس، نَفْس حقيقيّة، خالدة، مولاة، قادرة على استحقاق المكافأة أو العقاب. خاصّة به وحده، خَلَقَها الله، ومُعدَّة في فِكر الخالق للعودة إلى الله. أنتم، الوثنيّين، تنصرفون كثيراً إلى عبادة الجسد، وهو في الحقيقة عمل رائع، عليه علامة الإبهام الأزليّ. أنتم تُعجَبون كثيراً بالفكر، الجوهرة المخبّأة في علبة المجوهرات التي هي رأسكم وتتدفّق منه إشعاعات سنيّة. عطيّة عظيمة، عطيّة سامية مِن الله الخالق الذي كوَّنَكم بحسب فكره وبما يتلاءم معه، وإذن هو عمل كامل أعضاء وأجهزة، ومَنَحَكم الشَّبَه بفكره وروحه. وأمّا كمال الشَّبَه فهو في الروح. ذلك أنّ الله لا أعضاء ولا عتمة الجسد له، كما لا أحاسيس ولا بؤرة الفسق له، ولكنه روح كلّيّ الطهر، أزليّ، كامل، غير متبدّل، لا يعرف التعب في أدائه، متجدّد بغير انقطاع في أعماله التي يكيّفها أبويّاً مع طريق ارتقاء خليقته. الروح، المخلوق لكلّ الناس مِن منبع واحد للقدرة والصلاح، لا اختلاف فيه في الكمال الأصليّ. ليس هناك سوى روح واحد غير مخلوق، كامل ودائم الكمال. وهناك أرواح ثلاثة مخلوقة كاملة…»
«أنتَ أحدها، يا معلّم.»
«لست أنا. فأنا، في جسدي، لي الروح الذي لم يُخلَق، إنّما الذي وُلِد مِن الآب، بفيض مِن الحب.»
«مَن إذن؟»
«الأبوان الأوّلان مِن حيث أتت السُّلالة، وقد خُلِقا كامِلَين ومن ثمّ سقطا، بإرادتهما، في النقيصة. والثالث، هو المخلوق لفرح الله والكون، أرفع كثيراً من إمكانيّات الفكر وإيمان عالم اليوم حتّى أشير به لكم. الأرواح، كما كنتُ أقول، المخلوقة، المنبعثة مِن منبع واحد بمستوى كمال متساوٍ، يطرأ عليها بعدئذ، بحسب إرادتها واستحقاقها، تحوّل مضاعف.»
«إذاً فأنتَ تُسلّم بحياة ثانية؟»
«ليس هناك سوى حياة واحدة. فيها، النَّفْس التي حازت على التشبّه المبدئيّ بالله، تنتقل، بفضل العدل الممارَس بأمانة في كلّ شيء، إلى تشبّه أكمل، أقول إلى خلق ثان بذاتها، به تَنتَقِل إلى تشبّه مضاعف بالخالق، بأن تصبح أهلاً لامتلاك القداسة التي هي كمال الاستقامة وتَشبّه الابن بابيه. وهذه هي لدى المغبوطين، أي الذين يقول عنهم سقراط إنّهم يسكنون الهادس. ولكنّي أقول لكم إنّ الحكمة ستكون قد قالت كلامها وأيّدته بالدم، فسيكونون مغبوطي الجنّة، الملكوت، أي مغبوطي الله.»
«وأين هم الآن؟»
«في الانتظار.»
«انتظار ماذا؟»
«التضحية، الغفران، والتحرير.»
«يقال إنّ ماسيّا سيكون الفادي، وإنّه أنتَ… صحيح؟»
«حقّاً. أنا هو، أنا الذي أكلّمكم.»
«إذن، ينبغي لكَ أن تموت؟ لماذا يا معلّم؟ العالم بأمسّ الحاجة إلى النور، وتريد أن تتركه؟»
«أأنتَ، اليونانيّ، تسألني عن ذلك؟ أنتَ، الذي تتملّككَ كلمات سقراط؟»
«يا معلّم، لقد كان سقراط إنساناً مستقيماً. أمّا أنتَ فقدّيس. انظر إلى حاجة الأرض إلى القداسة.»
«ستتضاعف قدرتها إلى عشرة آلاف مرّة في كلّ ألم، في كلّ جرح، في كلّ قطرة دم.»
«بحقّ جوبيتير! ما مِن شديد عزم أعظم منكَ، أنتَ الذي لا تقتصر على احتقار الحياة، بل أنتَ على استعداد للتخلّص منها.»
«أنا لا أحتقر الحياة. بل أنا أحبّها كأكثر الأشياء نفعاً لشراء خلاص العالم.»
«ولكنّكَ، يا معلّم، ما زلتَ صغيراً على الموت.»
«فيلسوفك قال إنّ القدّيس عزيز على قلب الآلهة، وأنتَ دعوتني قدّيساً. إذا كنتُ قدّيساً، فينبغي لي أن أتعطّش للعودة إلى القداسة التي أتيتُ منها. وبالنتيجة، فالمرء ليس أبداً صغيراً كفاية كي لا يكون له هذا التعطّش. يقول سقراط كذلك إنّ القدّيس يحبّ فعل الأمور التي تطيب للآلهة. وأيّ أمر أحبُّ إلى الآب مِن عودة الأبناء الـمُبعَدين بسبب الخطيئة إلى أحضانه، ومنح الإنسان السلام مع الله، نبع كلّ خير؟»
«أنتَ تقول بأنّكَ لا تعرف أقوال سقراط. فكيف إذن تعرف ما تقوله؟»
«أنا أعرف كلّ شيء. ففكر الناس، طالما هو فِكر صالح، فهو ليس سوى انعكاس لواحدة مِن أفكاري. وما هو غير صالح فهو ليس منّي، ولكنّني قرأتُه في توالي الأزمنة، وقد عرفتُ، أعرف، وسأعرف متى قيل ذلك، يقال، وسيقال. أنا، أعلم.»
«يا سيّد، تعال إلى روما، منارة العالم. هنا الحقد يحيط بكَ. أمّا هناك فسيحيط بكَ الإجلال.»
هذا سيحيط بالإنسان، وليس بمعلّم ما هو فائق الطبيعة. وأنا أتيتُ لما هو فائق الطبيعة. ينبغي لي حمله إلى أبناء شعب الله، حتّى ولو كانوا الأقسى مع الكلمة.»
«روما وأثينا لن يحصلا عليكَ إذن؟»
«سيحصلان عليّ، لا تخافوا. سيحصلان عليّ. فكلّ الذين سيريدونني سيحصلون عليّ.»
«ولكنّهم سيقتلونكَ…»
«الروح غير قابل للموت. روح كلّ إنسان، أفلا يكون ذلك لروحي، روح ابن الله؟ سآتي بروحي الذي يعمل… سآتي… أرى الجموع التي لا تُعَدّ، والبيوت التي ستشاد على اسمي… أنا في كلّ مكان… سأتكلّم في الكنائس وفي القلوب… فكرازتي لن تعرف الراحة… الإنجيل سيجوب الأرض… كلّ الصالحين إليّ… وأعبر إلى رأس جيش قدّيسيّ وأقودهم إلى السماء. تعالوا إلى الحقّ…»
«آه! يا سيّد! نفسنا مغلّفة بالصيغ والأخطاء. فكيف العمل لنفتح لها الأبواب؟»
«أنا، سأحلّ أبواب الجحيم. وسأفتح أبواب هادسكم ويمبسي. وألن أستطيع فتح أبوابكم؟ قولوا: “أريد” وكمزلاج مصنوع مِن أجنحة فراشة، ستتحوّل إلى غبار بمرور شعاعي.»
«مَن سيأتي باسمكَ؟»
«أترون هذا الرجل القادم مع آخر يكبر المراهق قليلاً؟ سيأتيان إلى روما وإلى الأرض كلّها. ومعهما كثيرون. مُسارِعين، كما الآن، بسبب حبّي الذي يدفعهم ويجعلهم لا يعرفون الراحة إلاّ إلى جانبي، سيأتون، بحبّ الذين افتُدوا بتضحيتي، للبحث عنكم، وجمعكم، وقيادكم إلى النور. بطرس! يوحنّا! تعاليا. لقد انتهيتُ، على ما أظنّ، وأنا لكم. هل لديكم ما تقولونه لي؟»
«ما مِن شيء آخر، يا معلّم. نمضي مُصطَحِبين معنا كلامكَ.»
«فلتنبت فيكم وتنمو بجذور أبديّة. امضوا وليكن السلام معكم.»
وتنتهي الرؤيا…
أنشودة الإله الإنسان. ماريا فالتورتا.
95 – الجزء 6: القسم 1 (20 / 09 / 1944)
ترجمة فيكتور مصلح.