الخطاب الذي تم رشق المسيحيّين الأوائل به كان خطابا تخوينيّا، سرعان ما تحوّل الى خطاب تسذيجيّ، عندما لاحظ مطلقوه أنّه غير مجدٍ. الخطاب التسذيجيّ استمرّ ورافق كلَّ من ميّزته ملكة الشجاعة فجاهر بأنّه يعبد مصلوبا، ثقةً منه بأنّ إيمانه سيكون مصدر خلاص ونعمة سماويّة. هذا الخطاب عمّر ولا يزال حياً إلى يومنا هذا، علماً أنّ الخوض فيه ليس منه طائل ولا فيه جديد. تكرار ممجوج لنفس التهمة.
هذا الخطاب الإتّهام تتشارك فيه قوى عدة وتتضافر أحيانا على اختلاف مشاربها.
المؤمن المسيحيّ المثقف عرضة للتجريح والتسذيج من معارفه المؤمنين المحمديّين، على خلفيّة تستند إلى سذاجة تنزيل الله من عرشه وتجسيده بصورة إنسان، وفوق كلّ هذا على سذاجة صلبه وجعله مهزأة لمن حضر هذه المهزلة المأساة.
هو عرضة للتجريح والتسذيج أيضا من معارفه العقلانيّين المزَنّرين بحبال المنطق، ولو كانوا غير ملحدين، على خلفيّة التسليم بحقيقة خلق الله للعالم بكلمة، ولآدم بنفخة روح في جبلة من الطين. وتالياً على خلفيّة وجوب التجسّد والفداء لمحو الخطيئة وحملها بالنيابة.
ألبعض من هؤلاء يتباهَون بخروجهم من رحم المسيحيّة، رغم إنكارهم لحقائق جوهريّة، لا سبيل للتمسحُن والاستمرار بإنكارها. هؤلاء يرشقون المؤمن بجوهر التجسّد والفداء بالأصوليّة والجذريّة المفرطة التي لم تعد متماشية مع روح العصر الحديث. بتعبير آخر إنهم يدعون المؤمن المسيحيّ إلى ” نصف إيمان” كحلّ وسطيّ يلاقي به المؤمن المسلم وكذلك غير المؤمن في منتصف الطريق، على أمل أن يكونَ السلام بين كل الأطراف المتناحرة عقائديا..!
هذا التمترس العقائديّ المتواجه ليس جديدا. عايشه رسل المسيحيّة الأوائل وعانوا منه ودافعوا بشراسة عن عقيدة أدركوا مواضع طعن العقل البشريّ بها. هذا التمترس الخبيث من أعداء المسيحيّة الأولى هو الذي جعل بولس مضطرا للافتخار بما يبشّر به” وأنا لا أستَحي بِإنجيلِ المَسيحِ، فهو قُدرَةُ اللهِ لِخلاصِ كُلِّ مَنْ آمَنَ…”. لأنّه أدرك مقدار الإستخفاف الذي ينظر به بعض العقلانيّين المستهترين الى ما رآه في لقائه بالمسيح على مقربة من دمشق وما كرّس حياته ليبشر به.
المؤمن ساذج أو رومنسيّ؟
في الواقع، لا يجوز حرمان المؤمن – وبخاصة المؤمن المسيحيّ – من حقّه في تهمة الرومنسيّة عوضا عن تهمة السذاجة. كلّ الذين نسجوا علاقة حبّ مع الرب أتلمّس في دواخلهم رومنسيّة نورانيّة مشرّفة تطمح إلى لقاء نورانيّ مع الحبيب، وبشفافيّة مطلقة.
هذه الرومنسيّة هي التي ميّزت الرسول يوحنّا عن سواه من التلاميذ، فسعى بكلّ قدرته لتوريثنا إيّاها في صياغته لصدق تجربته، إن في إنجيله أو في رسائله أو في سفر رؤياه.. رومنسيّته هذه نتلمّسها في إنجيله من خلال نسيج كلاميّ شاعريّ غَزَليّ بحبيب ومعبود، هام به إلى حدّ الهوى؛ ما جعل السيّد المسيح يميّزه أيضا ويرفع عنه الكأس المرّ الذي شربه هو، وأشرَبَه أيضا الرسلَ الباقين جميعا. سمعان بطرس أبى إلّا أن يُصلَب مقلوبا. هذه أيضا صحوة رومنسيّة عشقيّة روحيّة أحبّت الحبّ الأعظم، تُذكّرُ بحالات حبّ بشريّة مماثلة .
رومنسيّة يوحنا أسكرت الكثيرين ممن لحقوه عبر القرون. ولا أرى سُكر الصوفييّن المنشقّين عن الإسلام – أمثال ابن عربي وجلال الدين الرومي والحلاج – والمتَّهمين بالهرطقة والكفر، إلّا بابا من أبوابها أيضا.
إِسعدْ إذا، إن أنت نجحت بإقناع أصحابك باتّهامك بالرومنسيّة النورانيّة عوضا عن تسخيفك ورميك باتّهام السذاجة المقيت والخبيث.. السذاجة في التعلّق بامرأة عذراء تحبل وتلد. و السذاجة في تمجيد المولود منها، وهو المولع بهلوسات غير واقعيّة. والسذاجة بتأليه مصلوب مسكين وجعله يقوم من الموت ويصعد إلى السماء. والسذاجة في تبني شعار موته عنك وعبوره إلى السماء حيث ينتظر قدومك إليه.. وإلى ما هنالك من سذاجات ينظر إليها العقل الخبيث على أنّها من نسج خيال مريض مهووس خائف من الموت خالط بين الواقع والتمنّي…
ليس السؤال الآن هو معرفة ما إذا كنتُ أنا -أو كنتَ أنتَ – مستحقا لهذا الكمّ من الإستخفاف والإتهام بالسذاجة، بقدر ما إذا كنتُ محروما عن ظلامة من هذا الكمّ من شرف الرومنسيّة في حبّي للحبّ الكونيّ المطلق.
ليست المسألة الآن هي في التموضع دفاعا عن إيمان ركيزته الحبّ. بل المسألة هي في التموضع هجوما على الطرف المسيطر المحتكر لعقلانيّة مزوّرة، لا تريد ان تقتنع إلا بما يمكن إثباته في أنبوب مختبره الكيميائيّ. وهي في التموضع هجوما على طرف الخبثاء الذين يريدون اعتبار كلّ مخالف لهم ساذجا لأنه مؤمن، أو مؤمنا لأنه ساذج.
إذا ؟
التصالح من جهتي مع هذه السذاجة وإلباسها رداء الرومنسيّة.. التعايش معها.. والتسليم بكونها ضرورة حياتيّة، عندما لا يُتاح لي، إلّا أن أتعايش مع قوم يجزمون بوجوب الخيار بينها وبين الخبث.
هنا سواء أسميتُ السذاجةَ رومنسيّةً أو لم أفعل، فهي تبقى فعلا ذكيّا مآلُه الفرح والسعادة..!